الحرية مهما طال الطريق – 2007-03-03

الاستبداد السياسي ومحاولات الهيمنة الخارجية لايمكن لها أن تؤتي ثمارها من دون عوامل داخلية، مما سميناه في مقالة الشهر السابقة (التآكل الداخلي) ، وهذا التآكل يشمل كل الجوانب حيث تطغى السلبيات لتصبح هي الأصل .. وأخطر مافيه هو الانضباط الطوعي بالغلط ثم تحويله إلى أصل .. وفي هذه المقالة سنحاول الإشارة إلى عامل مهم في التآكل وهو مايفعله البعض من بناء العقلية التي ترفض الحرية، وتستدعي الظلم، وتغفل بسذاجة شديدة عوامل الترابط الاجتماعي والعمل السلمي والتحرك الفكري والتواصل الإنساني الذي يحاصر الأغلاط، بل إنها تستدعي القهر على يد السلطة السياسية لإيقاف أي حركة في وجهها، وعلى سبيل المثال فإن إحدى الجماعات الإسلامية قد شنت حملة هائلة على كتاب يتعلق برؤية خاصة لكاتبة إيرانية تمردت على الحجاب، واضطرت السلطات إلى مصادرة الكتاب ثم إغلاق الدار الناشرة، وسر بعض الإسلاميين وظنوا أنهم قد أحرزوا انتصاراً ولم يتذكروا أنه ويل لأمة تأكل مما لا تزرع وتلبس مما لاتصنع، و قياساً عليه: ويل لجسم ديني يستقوي بالسلطة السياسة ولا يبني الفكر الصحيح في نفوس حملته (وبالمناسبة فقد كان من باب الموازنة أن يسمح للإسلاميين بإقامة حفل تكريم لكبار القراء [في القاعة الأساسية في جامعة دمشق] كمقابل للسماح للعلمانيين بمهرجان عقدوه هناك).
وعندما أغلقت إحدى الجمعيات النسائية العلمانية سُرََّ أكثر الإسلاميين وكأنهم حرروا الأندلس، (وأنا أقبل إغلاق الجمعية بحالة واحدة وهو إذا ثبت أن لهذه الجمعية نشاطاً تجسسياً خارجياً) .. أما ماعدا ذلك فإن اليد التي يستقوي بها الإسلامي الآن لإسكات العلماني هي نفس اليد التي سيستقوي بها الآخرون على الإسلامي يوماً إذا تغيرت الرياح، ومن ظن أن في الأمر نصراً فهو واهم وقد قال الإمام الغزالي أن حاجة الإنسان إلى عدو مشاحن هو أكثر من حاجته إلى صديق مداهن، وعلى الإسلاميين أن لا يفكروا بالقمع لا في البداية ولا النهاية وعليهم أن يمدوا بساط الإسلام بـ(لا إكراه في الدين) وأن يلجموا الفكر المنحرف بالفكر الصحيح، وينهوا الشغب بالسكينة التي يمكن أن يقدموها للمجتمع.
قال أخ معترض وماذا نفعل وحرمات الحجاب انتهكت! أفلا نطالب بمنع ذلك الكتاب؟ فقلت: إن التخلف في القراءة الذي تعانية الأمة أخطر من ذلك الكتاب بما لايقاس وفي الساحة ملايين الكتب والأبحاث وبعض المواقع الغربية لديها من الغوص الفكري ما يذهل فهل نطالب بإغلاقها جميعاً؟ وهو غير ممكن أم نفجرها فنخرج إلى سلوك مرفوض شرعاً وعقلاً .. أم نغلق أعيننا عن الواقع ونبدأ بالاجترار الداخلي والتآكل الطوعي!
لست أدعوك أبداً إلى إباحة الإسلام لأحد، وأريد للأمة أن تستعين بكل جهة أمنية في حالة الجرائم الجنائية، أما مانعتقده أو نظنه أو نصنفه جريمة فكرية فالفكر والحجة وحدها هي المقابل والمعيار … ولو سألتني ماذا كنت تفعل بذلك الكتاب؟ قلت أنظر في خطورته ولا أنشره بين العباد لكثرة صراخي عليه حتى يعلم به من لم يعلم (الجسم الديني له الأولوية غالباً في نشر الأفكار السلبية وإشهار الكتب المتعلقة بها وإبراز الكتاب والمؤلفين الطاعنين في الإسلام أو ذوي الأفكار الخاصة بداية من سلمان رشدي وانتهاء بأصغر مؤلف وأوهى كتاب …) ..فإن لم تكن له أهمية تركته فيأخذ حجمه الحقيقي، فإن كان خطيراً فعلاً استنفرت العلماء والكتاب وأحييت روح البحث في الشباب وجعلت لأمهرهم في الرد جائزة سنية، وعممت كتابه الذي ينهض بالحق بين صفوف المفكرين والعلماء والدعاة فإن عمت البلوى ولم يكن في بحث المفكر الشاب ضعف ولا مؤاخذة نشرته بين الناس …) ثم بعد ذلك أدرس ما الذي جعل عيون العلمانيين أو غيرهم وسهام كتابهم تنهال على ديني وإسلامي فإن رأيت أنهم يتكلمون بجهل نشرت العلم، وإن كانت مسألة شائكة بحثت فيها فكنت رائداً، وإن وجدت أنني أنا وفهمي على غلط رجعت إلى الحق ثم كنت حامل أكبر راية فيه، وقلت للناس بأعلى صوتي: جريمة الشرف ليس لها في الشريعة أصل ولا فرع وكفى تحميلاً للشريعة بما لم تحتمله وكفى ياساداتنا أهل العلم سماحاً لأعراف الجهال تجر مركب الإسلام كله إلى بحر الهلاك .. وبعضكم في مجالسه الخاصة يذكر الحق ثم بين العوام يستسلم لإرهابهم الذي لابد من إيقافه فهو أخطر من إرهاب الحكومات بكثير.
ثم بعد ذلك أعمل بالحق وأدعو الناس إليه وكلما اعترضني عارض أعدت تقويم ما أعمل واستعنت بالناس وصبرت على الأذى حتى لا يجد الشارد مناصاً من اتباع الحق والهدى والإيمان… وفي طريقي إلى كل ذلك أستقل في الطريق ولا أرضى العون الأمني في عمل فكري .. فضلاً عن وساطة في احتلال إمامة مسجد مما هو من أقبح القبيح ..بل أنمي قدرات الفكر والحوار والكتابة والنقاش بين طلاب العلم وبراعم الدعاة .. وأذكر لهم إيجابيات وسلبيات كل فريق في الساحة .. وأعيد النظر كلما ازددت من العلم …و أعلمهم أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه وأن من ضعف الدعاة لا بل من خراب الإسلام في الأرض أن نفرضه فرضاً بأيدي غيرنا، والذي يمنع كتاباً عن الحجاب هو الذي يمنع كتاباً عن الإسلام، والذي يلغي ترخيص جمعية علمانية هو الذي يلغي ترخيص معهد شرعي … والحرية مطلب لا نحتكره لأنفسنا بل نقول للعلمانيين نحن أرحم بكم من بعض العلمانيين أنفسهم .. لأن الأيام أرتنا أن بعضهم عندما ملكوا الكراسي باعوا العلمانية بثمن بخس فقد كان همهم الكرسي والعلمانية شيء ركبوا ظهره وامتطوه، وصاروا أعنف من أعنف جماعات الدم والتكفير والذبح .. لأنهم امتلكوا فوقها القوة والسلطة ..
إنني اطالب بالحرية للجميع حتى يتحقق قوله تعالى: “فأما الزبد فيذهب جُفاء وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض” …
وهنا يجب العلم أنه يحلو للسلطات القمعية في أي بلد أن تضع معظم التيارات الإسلامية (بل التيارات المطالبة بالإصلاح) بين خيارين مجانبين للصواب ، أولهما : الصدام والعنف ، وهو أمر غير محمود العواقب ، ظاهر الخطأ ، مرفوض المنطلقات ، والخيار الثاني هو الذوبان والامتصاص ، والقبول بكل حال مهما كانت مزرية ، وخصوصاً إن كان هناك (فوبيا) العدو الخارجي الذي يقتضي منا رص الصفوف دائماً لعدم تعريض العباد والبلاد للخطر ، ومن نواتج ذلك العيش على فتات ما يتكرم به الحكام ، وعدم المطالبة ( كأمة وليس فقط بضعة أفراد شجعان) بالحقوق المشروعة .
يبرز الإشكال في القبول بأحد هذين الخيارين ، واللذين يخرجان بالأفراد والمجتمع عن التوازن ، ويعرضان الحقوق العامة والخاصة ( في كلا الحالين) إلى الاهتراء إن لم يكن الذوبان.
تعين السلطات في شتى البلاد على توضيح خطورة الانجرار وراء العنف ، ولديها النية والأدوات القمعية لإقناع من لم تقده قناعاته الذاتية إلى الفهم العميق! ولكنها لا تهتم بالجانب الثاني ، وما قد تحوزه الجهات المطالبة بالحقوق ، فإنما تحصل عليه بعد عناء شديد ، وفي أحيان أخرى نتيجة ظروف خارجية ، وعملية تبادل منافع ، وتقاص بين الداخل والخارج.
من أخطر الأدوات التي تستخدم من قبل السلطات : الدين ، فهو محرك شديد الاستنفار ، وعالي الحساسية عند احتمال الضغط الخارجي ، كما أنه دواء شديد التسكين في شعوب متدينة ، بعدت عنها أجزاء عديدة من دينها فارتضت بالقليل منه ، مع الفرح الشديد بالحصول على تلك الأقسام البسيطة ، رغم عدم الانتباه للفاقد العظيم فيما هو أهم منه أحياناً بكثير!
يؤدي فقر الدم السياسي في الجسم الديني إلى تقديم الإسلام نفسه كقربان للسلطات ، مقابل مكاسب شديدة الضآلة تتراوح بين مصالح شخصية ، ومكاسب حقيقية ولكنها تبقى بسيطة وغير مؤصلة ولا مقننة ، بل أشبه بجوائز الترضية!
من أهم أسباب انجرار الجسم الديني وراء تقديم القرابين ، العقلية ذات البعد الواحد التي تماهت مع الضعف والهبوط السياسي العام ، وبدل أن تكون مفصلاً حاسماً يعين المجتمع وحتى السلطات على عدم الانجرار وراء الأغلاط ، فإنها تكون رديفاً قمعياً لا ذاتياً (أي لا يشتغل لمصلحته بل لمصلحة سيد آخر يستهلكه في مشاريعه الخاصة) ، ومن الطرائف الحزينة أن أحد العلماء قال في اجتماع حاشد ما خلاصته : هناك حقوق للدولة وحقوق لنا ، ولقد قررنا (ولا نعرف في الحقيقة من الذي قرر بالضبط) أن نتنازل عن حقوقنا لصالح الدولة ، بسبب ماتتعرض له من ضغوط!
الأمر المؤلم أن الدولة في أي بلد لم تستقر فيه حقوق الإنسان وتتبلور لاتعجز عن استيفاء حقوقها حتى الثمالة ( وفوقها حبة مسك)، والأمر الآخر أن المواطن (المحروم من الحقوق ابتداء) ليس عنده شيء يتنازل عنه أكثر ، إلا أن يتطوع بالخروج من ثيابه والسير عارياً (والعياذ بالله) إكراماً للعالم الفاضل!
أما الأمر الشديد الخطورة فهو التمويه العجيب ، والذي نعرفه في الإسلام أن الحدود لا تقام في أوقات الحرب ، أي ان الدولة هي التي تتنازل وتغض الطرف عن القانون (ولو كان حداً من حدود الله) ، وذلك من أجل لم الشمل وتخفيف احتقان الشعب ، وليس الشعب المسكين هو الذي يُطالبُ بالتنازل عن حقوقه التي لم يرها أصلاً ، والتي صار الكثيرون يحلمون بها ويظنونها من الأساطير المكملة لقصص الغول والعنقاء والخل الوفي!
ومن الأسباب كذلك انحصار التجربة ، فإن الطيور المغردة في الأقفاص تألف العيش فيها ، ولاتفكر خارج إطارها ، وهيهات لمن ولد في الأقفاص أن يستطيع التحليق يوماً ، فلقد صار جناحاه أليفي المحبس ، وإذا صحت النظرية القائلة بأن ما يحمله الإنسان من مورثات يتأثر بالبيئة تأثراً شديداً علمنا السبب في تعهد الأنظمة الحاكمة لتربية المواطن على تمجيدها روحاً وعقلاً ولساناً وفكراً منذ نعومة أظفاره ، غاضة النظر عن إعطائه كفاية مستلزماتهِ: غذاء ودواء وحاجات حياتية ، وانتماء وهوية وثقافة.
كلنا درس في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كيف أنه رفض سائر العروض التي قدمتها قريش له ليدع دعوته! ولكن روح الإصرار والحزم في المبدأ لم تعد لدى أكثرنا اليوم بذلك الوضوح ، ويمكن لعوامل خداع عديدة أن تحول كثيرين عن بعض الأحكام الشرعية ، تفصيلية كانت أم مقاصدية!
مثال ذلك : ماتقتضيه الآية الثانية والثلاثون من قوله تعالى في سورة المائدة : } مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جمَيعاً { ، إذ ينقل الإمام الطبري في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن من أحياها ، فاستنقذها من هلكة فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنقذ! وأن من كف عن قتلها فقد أحياها!
عندما تضطهد شعوب ، وتحرم من حقوقها ، ثم يعتقل أحرارها ، ويعدم من لايطيقون الأقفاص فيها ، ثم تسكت الأمة وخصوصاً أصحاب العمائم فيها ، ويسلمون الظالمين فلذات أكباد الأمة ، فماذا يكون ذلك إلا قتلاً للأمة ، بل قتلاً للناس جميعاً! وهل قتل الأجسام أعظم أم قتل النفوس؟ وهل مايذكره علماء الأصول جميعاً بأن غاية الشريعة هي المحافظة على المقاصد الكليات الخمس :
الدين ، النفس ، العقل ، النسل ، المال! هل تلك المقاصد للتدريس في الكليات الشرعية ، أم للاستشهاد في سبيلها وتثبيتها في الأرض إذ بها تقوم شريعة الله1
أما الآية السادسة والخمسون بعد المائتين من سورة البقرة : } لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ{ فتستخدم في اتجاه واحد ، وهي أننا لا نُكره أحداً على الدين! ولكن ماذا عن سكوتنا عمن يُكره الناس على الدين ، بل من يصادر الحياة كلها ، ويكاد يقول للناس قولة فرعون في الآية الثامنة والثلاثون من سورة القصص: }يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي{ فيكره الناس في الدين والثقافة والفكر والاجتماع والسياسية والعمل … بل حتى في الآمال والأحلام!
إن شعوبنا يسكن الدين (ولله الحمد) في أعماقها ، ولكن تحويل الدين ليصبح قرباناً أمر مرفوض قطعياً ، وعلى الملتزمين بالشريعة اجتنابه تماماً ، وأرى أن يتدارسوا وبعمق ماكتبه المصلح الشيخ عبد الرحمن الكواكبي في طبائع الاستبداد وخصوصاً الفصلين اللذين يتحدثان عن الاستبداد والعلم ، والاستبداد والدين!
يظن كثير من أهل العلم فضلاً عن الملتزمين العفويين أن المطالبة بالحريات أمر مرادف لقلة الدين وتفكك الأخلاق بل العمالة للغرب! وساعد على ذلك متسلطون شديدو الدهاء ، يقايضون الحريات بمغانم ضحلة يقدمونها لشبكة من أصحاب عمائم سذج ، شربوا الخنوع ثم يعيدون تربية الأمة عليه تارة أخرى ، وفي حين أنهم ينادون دوماً بأنه لا إله إلا الله ، فإنهم قد ينسون مقتضياتها ومنها : أن العبودية لله وحده وأن إشراك غير الله فيها شرك وكفر وضلال مبين، وأن إقامة التوحيد لله لا يمكن أن تتم مادامت هناك عبودية لفرعون وقومه.
إن جمعيات حقوق الإنسان ليست سيئة كما تريد الحكومات أن تفرض على الناس، ويساعدها في هذا الفرض أصحاب عمائم غائبون! يذكرون للناس أن جمعيات حقوق الإنسان والمجتمع المدني والحراك السلمي هي عميلة، وقد نسوا أن تلك الجمعيات هي التي تساهم في حصار الإدارة الأميركية وقد فضحتها فيما فعلته في معسكرات غوانتانامو وفي سجن أبي غريب … وهي التي أنزلت بوش وبلير من عليائهما وهي التي تولد موجة عظيمة من المعارضة الهائلة ضد الحرب في العراق وأفغانستان .. وبفضل جمعيات حقوق الإنسان (العميلة) أنقذت أرواح آلاف البشر من الإعدام، وصار من الصعب إخفاء إنسان والإدعاء أنه لم يعرف له مكان … وجمعيات حقوق الإنسان هي التي أربكت الإدارة الأميركية ومعظم الحكومات الأوربية عندما فضحت السجون السرية لمخابراتها والنقل للمعتقلين وخصوصا الإسلاميين عبر المطارات الأوربية .. ومنظمات حقوق الإنسان (مهما اعترتها علل وتسلل إليها عملاء) فهي التي توصل المساعدات الغذائية والإنسانية والطبية إلى ملايين الأيتام والفقراء والنساء واللاجئين .. وهي التي تضغط على الحكومات .. وتنبش الملفات الخطيرة للمجرمين الكبار… وبعد ذلك يأتيك فلان من المتدينين أو أصحاب العمائم ليقول لك بملء فمه : منظمات عميلة … صدقناك ياسيدي الفاضل فأرنا ماذا فعلت أنت وهل تكلمت على منبرك يوماً عن إطلاق سراح المعتقلين السياسيين أو إيقاف تحكم الحزب الواحد في الأمة أو عن إلغاء المحاكم الاستثائية والعرفية .. وهل طالبت الكبار جميعاً مرة بتقديم كشوف حسابات عن ممتلكاتهم … كي لايظن الشعب الجائع أنهم قد نهبوها (لاسمح الله) فيصادرها أو يتشوف إليها .. من المؤلم جداً أن هناك بلاداً واسعة يتحدث فيها الجسم الديني دائماً عن وجوب نصرة الأنظمة الحاكمة ولا تخلو خطب الجمعة من الدعاء طوعاً أو كرهاً ، بالنصر والتوفيق ولم يحدث قط أن خطيب منبر تحدث عن حقوق الإنسان أو الاعتقالات الجائرة وسجن الأبرياء من دون محاكمة مشهودة أو عن قمع الحريات العامة ، ومنع حرية الاجتماع والرأي والصحافة والإعلام ..، أو عن الاضطهاد الديني وتدخل الأنظمة في كل كبيرة وصغيرة من شؤون الدين وهي تدعي العلمانية! ….. ناهيك عن تداول السلطة ، وإيجاد تكافؤ في الفرص والعدل في توزيع السلطات والمناصب والأموال! … بل إن بعض المتدينين صار أداة قمع لما قل القمع ضده وصار يستجير بفروع الأمن لخنق خصومه بدل أن يواجههم بالفكر النظيف!
يزرع السذج في عقول الناس وتحت بريق السيف والانتخابات الانتقائية والإعلام الموجه والفكر الميت ؛ أن الاستبداد ضرورة لازمة والعدل بدعة من عمل الشيطان ، وأن قبول الاضطهاد فيه أجر عظيم ، وأن حكام الأمة مصدر خير وسعادة ورفاه وبركة وأن نساء الأرض قد عقمت ولم يعد لدى الشعوب المغلوبة على أمرها إلا الرضى بواقعها المقدر ، فليس هناك ماهو أبدع منه ، وهي بحاجة إلى المستبدين دوماً لأنها عاجزة عن متابعة الحياة بنفسها!
إن تلك المقولات تصادم بشدة المفاهيم الشرعية ، وعندما قام الصديق رضي الله عنه يعلن : أنه من كان يعبد محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، فإنه كان يتابع منهج الرشاد في القرآن الكريم : }وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ{ الآية 144- آل عمران ، وقد ذكر الإمام القرطبي في تفسيرها أن الله تعالى أعلم في هذه الآية أن الرسل ليست بباقية في قومها أبداً ، وأنه يجب التمسك بما أتت به الرسل ، وإن فقد الرسول بموت أوقتل!
كيف يمكن لمن يؤمن بالله أن يعتقد أن أمة لايمكن أن تحيا من دون جهة وصائية عليها! وكيف يظن مؤمن أن الدندنة على الحريات بسبب أن أمماً أخرى تدندن عليها إنما هو بدعة فجة!
أظن بعض محدودي النظر لو وجدوا في دار عبد الله بن جدعان لاعترضوا على حلف الفضول ، والذي قال عنه النبي الهادي صلى الله عليه وسلم أنه لودعي إليه في الإسلام لأجاب (وهو حلف لنصرة المظلومين مهما كانوا) ، ولوسمعوا قولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؛ لقالوا : الحرية مرفوضة ، والأمة مِلكُ يمين للحاكم والعبودية له هي الأصل في الإسلام.
أدت عوامل تاريخية ، وعوامل ضعف داخلي ، وطرق التلقين الفاشية والتي لاتنتهي إلى نشوء عقليات تعمل بشكل آلي صرف ، وعندما لا يؤدى المعنى بشكل صريح وتحت كلمة واضحة تماماً فإن المعاني قد تغيب مهما كانت مقاصد الشريعة تدندن عليها ، وواقع الحال يفصح عن أهميتها! وفي الإسلام لم تأت كلمة الحرية بالسياق المطلوب ، ولم تأت كلمة منظمات حقوق الإنسان في قرآن ولا سنة ، ولم يرد مصطلح حقوق الإنسان في كتاب سابق فغفلنا عنه! ونادى الغرب به فصار الحديث به قرين الضلال المبين!
حقيقة يحتاج الأمر إلى جلاء ، وبيان بعد شرعي مهم ، فإن للحرية في الإسلام شفافية فائقة ينبغي أن يعلمها الملتزم وغير الملتزم : في بعض البلاد التي لاتلتزم بمنهج الله قد تبيع المرأة نفسها بثمن علبة كبريت أو أقل فهي حرة في نفسها! والإسلام نأى بها عن ذلك فحوط تلك الحرية بالكرامة فالمسلمة حرة في الزواج من كفء لها ، ولو تعنت الولي فإن القاضي ولي من لا ولي له وهي حرة بمعنى أرقى بكثير من حرية بلا كرامة ، وقد رد عليه الصلاة والسلام زواج من أجبرها أبوها على الزواج من ابن أخيه ليرفع خسيسته ، فقالت : قد أجزت ماصنع أبي ولكن أردت أن أعلم الآباء أن ليس لهم من الأمر شيء!! حرية كاملة محاطة بكرامة كاملة!
ونحن أحرار إذا شئنا أن لانتصدق على فقير يسألنا ، ولكن الله تعالى كرمنا عن أن نكون عبيداً للمال ، فأمرنا بالصدقة والبذل ، وعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأنه ما أمن به من بات شبعان وجاره جائع إلى جواره وهو يعلم! وحفظت كرامة الفقير فقال تعالى : “وأما السائل فلا تنهر”، وتعلمنا جميعاً أن المال مال الله فهو المالك وهو المعطي وهو المانع!
ونحن أحرار كبشر في أن نستخدم أجسادنا كما نشاء بل حتى أن ننهي تلك الأجساد بالأداة التي نختار! انتحاراً من شاهق أو تلفاً بالدخان أو انغماساً في شهوة! ولكن قمة التكريم عندما نعلم أن لأجسادنا علينا حقاً ، وأنها أمانة وضعت بين أيدينا وإن من كرامتنا أن لا نكون لصوصاً فنرد تلك الأجساد نقية كما خلقت ، ونحرم الانتحار والمهلكات والمفسدات … (جوارحنا حفظناها من المعاصي صغاراً فحفظها الله لنا من الآفات كباراً.(
وفي كل أنظمة الأرض يتوق الناس إلى الحرية أو تضيق أرواحهم عن تحمل الظلم فيجهر البعض بالحق فيموتون من أجل الحرية ، والإسلام لم يتوقف عند تلك العتبة فالكل يموت ، بل كرم ذلك الطالب لقيام الحق فجعله قريناً لسيد الشهداء رضي الله عنه: “سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله ” كما علمنا الرسول الهادي صلى الله عليه وسلم … وغير ذلك كثير ….
وديننا يأمرنا أن نحترم النظام وأن نصغي لأولياء الأمور علماء ثم حكاماً ، ولكن الله كرمنا فلم يجعلنا ضحايا لاعوجاج فتاويهم إن حادوا عن الحق ، أوسوائم بين أيدي الحكام نطيعهم من دون شرط ، ونقبل ما يقولون من دون مناقشة ، ونمشي ورائهم دون بصيرة! … لقد كرمتنا الشريعة عن ذلك المآل فقال صلى الله عليه وآله وسلم : “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ” وأي معصية أكبر من يُجعل خلق الله في عبودية غير الله !!
إن إيجاد الكرامة في الأمة فريضة لازمة (ولقد كرمنا بني آدم) ، وهي شيء أوسع نطاقاً من مجرد الحرية الغريزية المنزوعة الكرامة …. وبهذا يستطيع كل ملتزم أن يكون صاحب مظلة في الخير أوسع بكثير مما رسم له من الحدود والقيود …. بل يستطيع أن يكون نواة لحلف فضول جديد ويبشر لا بالحرية فقط بل بالكرامة الموفورة التي تستمد نورها من هداية الله.
هناك مفاهيم انقلبت ، وعلينا أن لا نتكلم عنها سراً ، بل ينبغي وضعها تحت المجهر ، والدندنة حولها حتى يظهر الصواب ، وكفى ما دفعته هذه الأمة تيهاً في سراديب التاريخ ، ووهم العافية .. إن صلاح الحياة الدنيا والآخرة قرين بكرامتنا عند الله ، و (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ، ويجب أن نسير في طريق كرامتنا ونحصل على الحرية مهما طال الطريق.

– نشرت معظم أجزاء هذه المقالة سابقاً في النشرة الغير دورية الصادرة عن مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان، العدد الرابع ، نيسان 2006،وقد غير المركز لأسباب ارتآها العنوان إلى: سؤال الحرية في الإسلام، ونعيد نشرها بعنوانها الأصلي مع بعض الإضافات الأساسية.

أحمد معاذ الخطيب الحسني
13 ربيع الأول الأنور 1428هـ/1 نيسان 2007م

هذه التدوينة كُتبت في التصنيف كلمة الشهر. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.